علي بن أحمد المهائمي
298
خصوص النعم في شرح فصوص الحكم
العذاب ) فيها وهذا عين اللطف . ( وفي هذه الريح عذاب ) في الظاهر وهو لطف في الباطن ، يشير إليه اشتقاقه البعيد من العذاب ، ( أي : أمر يستعذبونه إذا ذاقوه ) بأسرارهم لو كانوا من أهل الأسرار ، لكنهم محجوبون فإن فرض أنهم ذاقوه فهو أيضا عذاب في حقهم ، كما أشار إليه بقوله ، ( إلّا أنه يوجعهم لفرقة المألوفات ) أي : المشتهيات ، إذ حيل بينهم وما يشتهون ، ولا يذوقه حق الذوق إلّا من فارق المألوفات في الدنيا ، وبالجملة لما كان قريبا من التجلي الجلالي ، وإن خفي عليهم أبدا ؛ فكان الأمر أقرب إليهم في الوصول إلى مطالب أعيانهم الثابتة مما يخيلوه من لطف الفناء لهم . ولمّا كان الوصول إلى الحق سواء كان من حيث تجلي الجلال أو الجمال لا يصير إلّا بتدمير ما سواه في الريح يقتضيه من جهة كونها لطفا كما يقتضيه من جهة كونها عذابا ، ( تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها [ الأحقاف : 25 ] ) بقطع علامة البعض عن البعض لئلا يحجبه عن الحق ، ( فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلَّا مَساكِنُهُمْ ) أي : أبدانهم التي كانت مساكن أرواحهم ساكنة بلا روح ؛ وذلك لأنها حية ( جثثهم التي عمرتها أرواحهم الحقّيّة ) أي : الفائضة من الحق بلا واسطة مادة عمرتها بانتسابها إليها ، وفيضان الحياة عليها ، فادّعت الحقية لأنفسها ، وحجبت عن الحق ( فزالت ) بهذا التدمير ( حقية هذه النسب الخاصة ) ليرتفع حاجبها عن الحق . وإن كان قد ( بعثت على هياكلهم الخاصة بهم ) لا بواسطة انتساب أرواحهم إلى أبدانهم ، وهي الحياة الفائضة على كل موجود ( من الحق ) وهي ( التي تنطق بها الجلود والأيدي والأرجل وعذابات الأسواط والأفخاذ ، وقد ورد النص الإلهي بهذا كله ) ، كما قال تعالى : وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ [ فصلت : 21 ] ، وقال : وَتُكَلِّمُنا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ [ يس : 65 ] . وقال عليه السّلام : « لا تقوم الساعة حتى يكلم الرجل فخذه بما عمل أهله بعده ، وحتى تكلمه عذبة سوطه » « 1 » ، أو قال : ما يقرب من هذا ، فجعل ذلك بمنزلة النص الإلهي ؛ لأنه وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [ النجم : 3 ، 4 ] . [ إلّا أنّه تعالى وصف نفسه بالغيرة ، ومن غيرته « حرّم الفواحش » ، وليس الفحش إلّا ما ظهر وأمّا فحش ما بطن فهو لمن ظهر له ، فلمّا حرّم الفواحش أي منع أن تعرف حقيقة ما ذكرناه ، وهي أنّه عين الأشياء فسترها بالغيرة ، وهو أنت من الغير ، فالغير
--> ( 1 ) رواه الحاكم في « المستدرك » ( 19 / 335 ) ، وابن أبي شيبة في « المصنف » ( 8 / 664 ) .